النمور في اليوم العاشر

النمور في اليوم العاشر

الكاتب: زكريا تامر

نشرت الطبعة الأولى عام 1980

زكريا تامر، الحداد الذي صار كاتب قصص، لم يتخل عن قسوته على الحياة، رادا لها دينها القاسي الذي حملته إياه حتى صار هكذا، فهو الطفل الذي ترك المدرسة واتجه للحدادة، ليكتب لطفولته ومجتمعه ما لم يستطع أن يعشه طفلا وشابا.

يسخر زكريا تامر في مجموعته القصصية المكونة من 15 بابا، ما بين قصة ومجموعة قصصية، من الواقع مجتمعا ودولة، بطريقة مغرقة في الرمزية والأحداث، بحيث يترك مجالا واسعا للمجاز، ومحطما بحروفه السريعة والمتحركة كل ما يقع تحتها، مركزة بشكل رئيسي على خنوع المجتمع لاستبداد السلطة الفاسد.

إذ يبدأ زكريا تامر بمجموعة الأعداء، وهي مجموعة من 26 قصة قصيرة جدا، بحيث لا تتجاوز القصة الفقرتين، بطريقة سهلة التداول والرواية، ومليئة بالمغازي والمجازات، فهو يقصد بالأعداء أعداء الشعب، سواء كانوا قيما – الكذب، الانتهازية، الظلم .. الخ – أم مؤسسات وأجساما وسلطات – سلطة الدولة، سلطة الدين، سلطة الكبار -.

ثم ينتقل لـ “يوسف، يوسف الصغير الجميل الهالك” في دلالة رمزية عن النبي يوسف – عليه السلام – والذي أخذه إخوته ليلقوه في البئر، غيرة من جماله ومكانته لدى أبويه، مسقطا هذه الرمزية على ثلاثة أطفال في حارة شامية، أحدهم أجمل وأغنى من الاثنين، بادئا القصة بلعب أطفال، ومنهيها بموت الطفل الجميل منهم.

ثم يتفاوت زمن القصص، لتنتقل بين الزمن الحالي كما في قصة الفندق، المغرقة في الرمزية والتي تتحدث عن نزيل يقتل أمه ويأكل لحمها ما بين الحلم والصحو .. وبين عصر الحارات الأقدم من هذا كما في السهرة التي تتحدث عن صلحة بين فتوتين، لتنتهي في سهرة خمر على قبر والد أحدهم .. والقصص التاريخية كقصة الملك التي تتحدث عن أحد الملوك القدامى الذي كان مستبدا، ذاكرا له عدة مواقف مع العلم والمجتمع وحتى بعض خدمه وحاشيته.

كما وتختلف واقعية القصص بين قصة وأخرى، فمنها ما هو مغرق في الواقعية كـ “في ليلة من ذات الليالي” التي تروي قصة فتوة يعتقل خطأ ويطلب منه قص شاربه داخل السجن .. ومنها ما يجمع بين الإنسان وما حوله في الكون كحكاية رندا المثيرة للجدل، وهي الطفلة البريئة التي تستطيع محادثة الطبيعة، وتتواطأ معها .. ومغامرتي الأخيرة الساخرة التي تتحدث عن حكاية شخص التقى منكراً ونكيراً في حياته وثم لحقاه بعد الموت دون أن يذكراه .. و”ملخص ماجرى لمحمد المحمودي” الإنسان العادي الذي تواطأ مع السلطة بعد موته .. وهناك القصص الخيالية تماما، كـ الزهرة التي تتحدث عن يد نبتت من الأرض ثم عادت مختبئة مما رأته على سطحها، والفريسة التي تتحدث عن مخلوق لم تتضح صفاته تماما لكنه كان سمكة أكلها أبناء صياد فقير ..  ويجمعها كلها معاً في رائعة ما حدث في المدينة التي كانت نائمة كدلالة عن المدينة التي تعيش ضحية لاستبداد ملك سجن الحسن بن الهيثم لأنه قال أن الحق والعلم وحدهما ما يستحقان التضحية، وعن قتل حرسه لطفل صغير اتهم بأنه كان عربيا، لكنه عاد فنبت شجرة برتقال، وعن الأبناء الذين وضعوا أباهم في تابوت لأنه علمهم الخضوع، حارقين معه كلما يمكن أن يستخدم كرايات بيضاء، دلالة عن الرفض والثورة، معنونا هذه الجزئية بـ “لا”.

تتجلى قسوة زكريا تامر في ثلاث قصص مليئة بالدم والعنف والألم، ويربط بها بين الاعتداء الجسمي والاعتداء الروحي بشتى أشكاله، وهي لا غيمة للأشجار، لا أجنحة فوق الجبل، والاغتيال، والابتسامة، وهي تحوي في ثلاثتها قصص اغتصاب وقتل.

أما القصة التي اختارها عنوانا لمجموعته القصصية: النمور في اليوم العاشر، فهي إسقاط حله في الجملة الأخيرة عن المدينة القفص، والنمر المواطن الذي تم ترويضه خلال عشرة أيام بالجوع فصار نمرا يموء ويأكل الحشائش.

يظهر انحياز زكريا تامر للأطفال كعنصر ثوري جريء صافٍ لم يتم ترويضه بعد من خلال السلطات الأصغر – الأهل، المدرسة، الحارة – والتي تم ترويضها من قبل من خلال السلطة الأكبر ..

ختاماً، المجموعة هي مجموعة تقليدية لأسلوب زكريا تامر القصير الرمزي، وهي جميلة للذين يحبون المجاز وتفتح أفقا واسعا للتفكير والتوقع، والذي قد لا يوصل في بعض أحيانه إلى الفهم، لكنها ستكون مملة وغير ذات مغزى للأشخاص المباشرين .. وهي عمل ثوري غاضب ناقد في جميع الحالات، في وسط راكد راضخ يحتاج كيّا وطرقا من حداد، بعد أن أوصلته المهادنة والصمت إلى آخر العلاج.

About these ads

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s